![]()
بقلم: ذ.المصطفى مسالي
![]()
يرتكس الإنسان في حمأة الغفلة والإعراض عن الله عز وجل، وينشغل ابن الحركة الإسلامية المسكين بالأحداث السياسية، وهوس العالم وهذيانه، وقلبه لم يولد بعد ونسبته لم تتحقق، فيتيه مع الحسابات الأرضية.
(1)
لقد حير طلب هذه الولادة قلوب المحبين، وانفطرت منه أكباد المقبلين المنقطعين، وتعبت في طلبه همم الصادقين.
يرتكس الإنسان في حمأة الغفلة والإعراض عن الله عز وجل، وينشغل ابن الحركة الإسلامية المسكين بالأحداث السياسية، وهوس العالم وهذيانه، وقلبه لم يولد بعد ونسبته لم تتحقق، فيتيه مع الحسابات الأرضية، بل يتسرب إليه اليأس لطول الطريق وكثرة عويصاتها ولصوصها، وتكالب الأعداء، فينقلب إلى عنف أعمى أهوج وفي أحسن الأحوال إلى سلبي غير مهتم ولا مشارك، فكيف به تغيير المجتمع وقضية ميلاده القلبية منسية وسط ركام الفتنة، ركام الكراهية، ركام الإسلام الفكري الثقافي.
نستمع إلى طود شامخ وإمام ألمعي هو ابن القيم الجوزية رحمه الله يقول " سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر ذلك " أي مرتبة الوجود الثاني التي هي أعلى مراتب الإحسان « ويفسره بأن الولادة نوعان: إحداهما هذه المعروفة، والثانية ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع قال ابن تيمية: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين (…) قال: فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح والوالد أب الجسم«(1)، هذا النص من بين النصوص المهملة في بيان هذا الرجل الدعوي لا أدري ولست أدري ما الذي دهى تلاميذ ابن تيمية – زعموا- أصحاب الفقه النفطي ألا ينصتوا إلى هذا البلاغ الدعوي الواضح من هذا الطود الشامخ التلميذ الذكي الوفي للإمام ابن تيمية رحم الله الجميع ولكن:
أسمعت لو ناديت حيا+++ لكن لا حياة لمن تناد
لماذا تظل هذه النصوص وغيرها كثير طي النسيان والمصادرة؟
وحفظ الله الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين الذي كتب كتاب "الإحسان" في جزئين بلحمه ودمه ناصحا مشفقا مناديا: من هنا الطريق، من هنا البداية، كاشفا بأفصح عبارة وأدق أسلوب عما ظل منسيا مطمورا، مقترحا على الحركة الإسلامية سلوكا جهاديا: سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
لا أفتأ أذكر في مقالاتي بالعودة إلى كتابات هذا الرجل، بل صحبته في زمن قل فيه من يسمعك ويذكرك بالله عز وجل.
الميلاد السعيد لك يا ابن الحركة الإسلامية أن تتقدم إلى والدك الروحي، من هو؟ ابحث عنه؟ أين ستجده؟ ومن سيدلك عليه إنه الله سبحانه وتعالى توجه إليه بقلب خاشع، ابك عليه يدلك على أحبابه وأوليائه المقربين من خلقه، استمع إلى الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره فهو لك ناصح أمين يقول:" إذا أشكل عليك الأمر ولم تفرق بين الصالح والمنافق فقم من الليل وصل ركعتين ثم قل: يا رب دلني على الصالحين من خلقك، دلني على من يدلني عليك، ويطعمني من طعامك، ويسقيني من شرابك، ويكحل عين قلبي بنور قربك، ويخبرني بما أرى عيانا لا تقليدا" (2) وقال: إذا أردت أن تصحب أحدا في الله عز وجل، فأسبغ الوضوء عند سكون الهمم ونوم العيون، ثم أقبل على صلاتك تفتح باب الصلاة بطهورك، وباب ربك بصلاتك، ثم اسأله بعد فراغك: من أصحب؟ من الدليل؟ من المخبر عنك؟ من المفرد؟ من الخليفة؟ من النائب؟ هو كريم لا يخيب ظنك، لا شك يلهم قلبك، يوحي إلى سرك، يفتح لك الأبواب، يضيء لك الطريق من طلب وجدَّ وجد" (3). يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله في إطار تعليقه على كلام الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره يقول:" يقول المعترض الخلي من هم الله وهم نفسه وعمره: ما بالنا وبال الشيخ! الشيخ! الشيخ! القصد معروف، وطريق الآخرة واضحة، والكتاب والسنة بين أيديناـ يقول ذلك وهو في دار الغفلة راقد، طاب له المأكل وهنأ له المشرب، مجنون بالدنيا وبنفسه مغرور بهما لمثل هذا أحمل رسالة من الشيخ عبد القادر رحمه الله يقول فيها:" تعلق برجال الحق، أنتم مجانين غرقى في بحر الدنيا رجال الحق يداوون المرضى، وينجون الغرقى، ويرحمون أهل العذاب. كن عنده إذا عرفته، فإن لم تعرفه فابك على نفسك!"(4).
ابك عل نفسك إن لم تلحق بالرجال، وتكون لها في يوم من الأيام حاجة عند الله عز وجل، ابك على نفسك إن لم تولد الولادة الروحية التي تحدث عنها الإمام ابن تيمية رحمه الله من قبل، ابك على نفسك الحائرة البائرة الشاكة المشككة القاعدة لك في طريق الحق.
(2)
لا تكاد تجد في كتابات الإسلاميين حديثا عن هذه الولادة، عن هذا الميلاد الجديد، وكأن الوارد على الحركة الإسلامية يكفيه أن يؤثث عقله بقال فلان وقال علان وتبقى قضية قلبه: القضية الكبرى مسكوتا عنها، وتبقى الأصنام معششة في قلبه ومد الشيطان يغلب عليه فتكثر نكباته، وتنشأ الأمراض المهددة للصف، ويبرز حب الرئاسة والظهور، وتتحول الحركة الإسلامية إلى نادي للفكر والجدال، لكن أن تسأل عن حياة القلوب بالصحبة والذكر وتسعى في طلب هذا الأمر العزيز فذاك لا تظفر به إلا نادرا.
استمع مرة أخرى إلى هذه العبرات يرسلها هذا الرجل وكأنه اطلع على حال ابن الحركة الإسلامية المسكين، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله متأسفا متحسرا ونقول معه: " فواأسفاه واحسرتاه ! كيف ينقضي الزمان، وينفذ العمر، والقلب محجوب، ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما رحل إليها، وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيشة البهائم وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزا، وموته كمدا، ومعاده حسرة. وواأسفا، اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك الثكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك."(5)
كيف يطيب لابن الحركة الإسلامية أن يخرج من هذه الدنيا وهو لم يظفر بالكنز، وهو لم يفز بالله عز وجل، لا حد لحسرته، لا حد لإفلاسه، اللهم ارحمنا بصحبة أوليائك وارزقنا حسن الأدب معهم لا راحم إلا أنت سبحانك.
روى الشيخان عن النعمان بن بشير أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " … ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فشدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".
توشك هذه العروة القلبية أن تتلاشى في هذه العصور التي هبت فيها عاصفة عنيفة فأطفأت ما كان مشتعلا من كوانين القلوب ومجاميرها، ولذلك يتحدث الأستاذ المرشد حفظه الله على أن المطلب الإحساني في هذه العصور ينبغي أن يكون أسبق المطالب في سلم الأولويات (عند أبناء الحركة الإسلامية)، ويكون فقه القلوب وطبها أهم علم وتطبيقه أهم عمل، وما ذلك إلا لأن القلب كما يضيف الأستاذ المرشد حفظه الله مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها(6)، ولذلك ما الحديث عن الخلافة، وعن التغيير المنشود إلا أحلام طائشة إن لم تشتد قلوب الأمة باشتداد قلوب أبناء الحركة الإسلامية.
يقول الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في حكمه:" كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟ ".
يا أيتها الحركة الإسلامية استمعي إلى عبرات الرجال وزفراتهم, بل ما اسمك وما مكانك بينهم، آه لقد سبقك الرجال وتهت في أزقة الغفلات.
(3)
ما الذي دهى الحركة الإسلامية وجعلها تغفل عن هذا الركن الأصيل من الدين (الإحسان) فيصبح أبناؤها عرضة للضياع، عرضة لإسلام فكري ثقافي يتآكلون تحت لوائه يوما بعد يوم ويصطلون بناره حتى لا يبقى من إسلامهم إلا الاسم، فكيف بإيمانهم وإحسانهم لا خبر عنه؟ تعالى معي يا ابن الحركة الإسلامية وتواضع لندخل جميعا كُتَّاب الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره نتعلم شيئا ما عندنا عليه خبر، استمع يا أخي ثم استمع، وابحث عن كتاب الفتح الرباني واقرأه في ثلاثة أيام يأتيك الخبر، نستمع إلى الرجل وهو يفتح كتابه ويصيح: " تعالوا يا عباد الله عز وجل في الأرض، ويا زهادها ! تعلموا مني شيئا ما عندكم منه خبر!
أدخلوا كتابي حتى أعلمكم شيئا لا تجدونه عندكم، للقلوب كتاب، وللأسرار كتاب، وللنفوس كتاب، وللجوارح كتاب، هي درجات ومقامات وأقدام معدودات. القدم الأولى ما صحت لك! كيف تصل إلى الثانية! الإسلام ما صح لك فكيف تصل إلى الإيمان! الإيمان ما صح لك، فكيف تصل إلى الإيقان! الإيقان ما صح لك فكيف تصل إلى المعرفة والولاية! كن عاقلا ما أنت على شيء"(7)
ما الذي دهى الحركة الإسلامية وجعلها تغفل على أن الدين إسلام وإيمان وإحسان؟ سلوك وترق وطلب للدرجات العليا.
يا سيدي إن مسؤولية من يتصدى للدعوة، وتوجيه الشباب مسؤولية عظيمة: قيادات غافلة مغفلة لا تذكر بالأمر العظيم، وأدبيات لا تكاد تجد فيها حديثا عن الأمر العظيم: معرفة الله عز وجل وكيفية الوصول إليه، لا تجد فيها إلا إسلاما فكريا عقليا ممزوجا، وأخرى محاكمة للناس ومكفرة للمجتمع معلنة الحرب عليه، لا يا سيدي لم يكن المنهاج النبوي في يوم من الأيام هكذا بل هو دعوة ورحمة ودلالة على الله، وأسمع من بعضهم حديثا عن الحرية من داخل الحركة الإسلامية: الحرية أن تطلق سراح نفسك المسكينة سجينة الغفلة والبعد عن الله عز وجل، سجينة البعد عن الصحبة والذكر لتنطلق عضوا

























بطاقة الكتاب: