Yahoo!

ولادة القلب…الحركة الإسلامية والولادة الروحية

كتبها المصطفى مسالي ، في 9 ديسمبر 2006 الساعة: 07:20 ص

ولادة القلب…الحركة الإسلامية والولادة الروحية

بقلم: ذ.المصطفى مسالي

لقد حير طلب هذه الولادة قلوب المحبين، وانفطرت منه أكباد المقبلين المنقطعين، وتعبت في طلبه همم الصادقين.
يرتكس الإنسان في حمأة الغفلة والإعراض عن الله عز وجل، وينشغل ابن الحركة الإسلامية المسكين بالأحداث السياسية، وهوس العالم وهذيانه، وقلبه لم يولد بعد ونسبته لم تتحقق، فيتيه مع الحسابات الأرضية.

(1)

لقد حير طلب هذه الولادة قلوب المحبين، وانفطرت منه أكباد المقبلين المنقطعين، وتعبت في طلبه همم الصادقين.
يرتكس الإنسان في حمأة الغفلة والإعراض عن الله عز وجل، وينشغل ابن الحركة الإسلامية المسكين بالأحداث السياسية، وهوس العالم وهذيانه، وقلبه لم يولد بعد ونسبته لم تتحقق، فيتيه مع الحسابات الأرضية، بل يتسرب إليه اليأس لطول الطريق وكثرة عويصاتها ولصوصها، وتكالب الأعداء، فينقلب إلى عنف أعمى أهوج وفي أحسن الأحوال إلى سلبي غير مهتم ولا مشارك، فكيف به تغيير المجتمع وقضية ميلاده القلبية منسية وسط ركام الفتنة، ركام الكراهية، ركام الإسلام الفكري الثقافي.
نستمع إلى طود شامخ وإمام ألمعي هو ابن القيم الجوزية رحمه الله يقول " سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر ذلك " أي مرتبة الوجود الثاني التي هي أعلى مراتب الإحسان « ويفسره بأن الولادة نوعان: إحداهما هذه المعروفة، والثانية ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع قال ابن تيمية: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين (…) قال: فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح والوالد أب الجسم«(1)، هذا النص من بين النصوص المهملة في بيان هذا الرجل الدعوي لا أدري ولست أدري ما الذي دهى تلاميذ ابن تيمية – زعموا- أصحاب الفقه النفطي ألا ينصتوا إلى هذا البلاغ الدعوي الواضح من هذا الطود الشامخ التلميذ الذكي الوفي للإمام ابن تيمية رحم الله الجميع ولكن:
أسمعت لو ناديت حيا+++ لكن لا حياة لمن تناد
لماذا تظل هذه النصوص وغيرها كثير طي النسيان والمصادرة؟
وحفظ الله الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين الذي كتب كتاب "الإحسان" في جزئين بلحمه ودمه ناصحا مشفقا مناديا: من هنا الطريق، من هنا البداية، كاشفا بأفصح عبارة وأدق أسلوب عما ظل منسيا مطمورا، مقترحا على الحركة الإسلامية سلوكا جهاديا: سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
لا أفتأ أذكر في مقالاتي بالعودة إلى كتابات هذا الرجل، بل صحبته في زمن قل فيه من يسمعك ويذكرك بالله عز وجل.
الميلاد السعيد لك يا ابن الحركة الإسلامية أن تتقدم إلى والدك الروحي، من هو؟ ابحث عنه؟ أين ستجده؟ ومن سيدلك عليه إنه الله سبحانه وتعالى توجه إليه بقلب خاشع، ابك عليه يدلك على أحبابه وأوليائه المقربين من خلقه، استمع إلى الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره فهو لك ناصح أمين يقول:" إذا أشكل عليك الأمر ولم تفرق بين الصالح والمنافق فقم من الليل وصل ركعتين ثم قل: يا رب دلني على الصالحين من خلقك، دلني على من يدلني عليك، ويطعمني من طعامك، ويسقيني من شرابك، ويكحل عين قلبي بنور قربك، ويخبرني بما أرى عيانا لا تقليدا" (2) وقال: إذا أردت أن تصحب أحدا في الله عز وجل، فأسبغ الوضوء عند سكون الهمم ونوم العيون، ثم أقبل على صلاتك تفتح باب الصلاة بطهورك، وباب ربك بصلاتك، ثم اسأله بعد فراغك: من أصحب؟ من الدليل؟ من المخبر عنك؟ من المفرد؟ من الخليفة؟ من النائب؟ هو كريم لا يخيب ظنك، لا شك يلهم قلبك، يوحي إلى سرك، يفتح لك الأبواب، يضيء لك الطريق من طلب وجدَّ وجد" (3). يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله في إطار تعليقه على كلام الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره يقول:" يقول المعترض الخلي من هم الله وهم نفسه وعمره: ما بالنا وبال الشيخ! الشيخ! الشيخ! القصد معروف، وطريق الآخرة واضحة، والكتاب والسنة بين أيديناـ يقول ذلك وهو في دار الغفلة راقد، طاب له المأكل وهنأ له المشرب، مجنون بالدنيا وبنفسه مغرور بهما لمثل هذا أحمل رسالة من الشيخ عبد القادر رحمه الله يقول فيها:" تعلق برجال الحق، أنتم مجانين غرقى في بحر الدنيا رجال الحق يداوون المرضى، وينجون الغرقى، ويرحمون أهل العذاب. كن عنده إذا عرفته، فإن لم تعرفه فابك على نفسك!"(4).
ابك عل نفسك إن لم تلحق بالرجال، وتكون لها في يوم من الأيام حاجة عند الله عز وجل، ابك على نفسك إن لم تولد الولادة الروحية التي تحدث عنها الإمام ابن تيمية رحمه الله من قبل، ابك على نفسك الحائرة البائرة الشاكة المشككة القاعدة لك في طريق الحق.

(2)

لا تكاد تجد في كتابات الإسلاميين حديثا عن هذه الولادة، عن هذا الميلاد الجديد، وكأن الوارد على الحركة الإسلامية يكفيه أن يؤثث عقله بقال فلان وقال علان وتبقى قضية قلبه: القضية الكبرى مسكوتا عنها، وتبقى الأصنام معششة في قلبه ومد الشيطان يغلب عليه فتكثر نكباته، وتنشأ الأمراض المهددة للصف، ويبرز حب الرئاسة والظهور، وتتحول الحركة الإسلامية إلى نادي للفكر والجدال، لكن أن تسأل عن حياة القلوب بالصحبة والذكر وتسعى في طلب هذا الأمر العزيز فذاك لا تظفر به إلا نادرا.
استمع مرة أخرى إلى هذه العبرات يرسلها هذا الرجل وكأنه اطلع على حال ابن الحركة الإسلامية المسكين، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله متأسفا متحسرا ونقول معه: " فواأسفاه واحسرتاه ! كيف ينقضي الزمان، وينفذ العمر، والقلب محجوب، ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما رحل إليها، وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيشة البهائم وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزا، وموته كمدا، ومعاده حسرة. وواأسفا، اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك الثكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك."(5)
كيف يطيب لابن الحركة الإسلامية أن يخرج من هذه الدنيا وهو لم يظفر بالكنز، وهو لم يفز بالله عز وجل، لا حد لحسرته، لا حد لإفلاسه، اللهم ارحمنا بصحبة أوليائك وارزقنا حسن الأدب معهم لا راحم إلا أنت سبحانك.
روى الشيخان عن النعمان بن بشير أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " … ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فشدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".
توشك هذه العروة القلبية أن تتلاشى في هذه العصور التي هبت فيها عاصفة عنيفة فأطفأت ما كان مشتعلا من كوانين القلوب ومجاميرها، ولذلك يتحدث الأستاذ المرشد حفظه الله على أن المطلب الإحساني في هذه العصور ينبغي أن يكون أسبق المطالب في سلم الأولويات (عند أبناء الحركة الإسلامية)، ويكون فقه القلوب وطبها أهم علم وتطبيقه أهم عمل، وما ذلك إلا لأن القلب كما يضيف الأستاذ المرشد حفظه الله مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها(6)، ولذلك ما الحديث عن الخلافة، وعن التغيير المنشود إلا أحلام طائشة إن لم تشتد قلوب الأمة باشتداد قلوب أبناء الحركة الإسلامية.
يقول الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في حكمه:" كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟ ".
يا أيتها الحركة الإسلامية استمعي إلى عبرات الرجال وزفراتهم, بل ما اسمك وما مكانك بينهم، آه لقد سبقك الرجال وتهت في أزقة الغفلات.

(3)

ما الذي دهى الحركة الإسلامية وجعلها تغفل عن هذا الركن الأصيل من الدين (الإحسان) فيصبح أبناؤها عرضة للضياع، عرضة لإسلام فكري ثقافي يتآكلون تحت لوائه يوما بعد يوم ويصطلون بناره حتى لا يبقى من إسلامهم إلا الاسم، فكيف بإيمانهم وإحسانهم لا خبر عنه؟ تعالى معي يا ابن الحركة الإسلامية وتواضع لندخل جميعا كُتَّاب الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره نتعلم شيئا ما عندنا عليه خبر، استمع يا أخي ثم استمع، وابحث عن كتاب الفتح الرباني واقرأه في ثلاثة أيام يأتيك الخبر، نستمع إلى الرجل وهو يفتح كتابه ويصيح: " تعالوا يا عباد الله عز وجل في الأرض، ويا زهادها ! تعلموا مني شيئا ما عندكم منه خبر!
أدخلوا كتابي حتى أعلمكم شيئا لا تجدونه عندكم، للقلوب كتاب، وللأسرار كتاب، وللنفوس كتاب، وللجوارح كتاب، هي درجات ومقامات وأقدام معدودات. القدم الأولى ما صحت لك! كيف تصل إلى الثانية! الإسلام ما صح لك فكيف تصل إلى الإيمان! الإيمان ما صح لك، فكيف تصل إلى الإيقان! الإيقان ما صح لك فكيف تصل إلى المعرفة والولاية! كن عاقلا ما أنت على شيء"(7)
ما الذي دهى الحركة الإسلامية وجعلها تغفل على أن الدين إسلام وإيمان وإحسان؟ سلوك وترق وطلب للدرجات العليا.
يا سيدي إن مسؤولية من يتصدى للدعوة، وتوجيه الشباب مسؤولية عظيمة: قيادات غافلة مغفلة لا تذكر بالأمر العظيم، وأدبيات لا تكاد تجد فيها حديثا عن الأمر العظيم: معرفة الله عز وجل وكيفية الوصول إليه، لا تجد فيها إلا إسلاما فكريا عقليا ممزوجا، وأخرى محاكمة للناس ومكفرة للمجتمع معلنة الحرب عليه، لا يا سيدي لم يكن المنهاج النبوي في يوم من الأيام هكذا بل هو دعوة ورحمة ودلالة على الله، وأسمع من بعضهم حديثا عن الحرية من داخل الحركة الإسلامية: الحرية أن تطلق سراح نفسك المسكينة سجينة الغفلة والبعد عن الله عز وجل، سجينة البعد عن الصحبة والذكر لتنطلق عضوا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

سؤال الصحبة عند الحركة الإسلامية

كتبها المصطفى مسالي ، في 7 ديسمبر 2006 الساعة: 07:13 ص

"لو صدق عزمك، قذفتك ديار الكسل، إلى بيداء الطلب، كان سلمان أعجميا، فلما سمع بنبي عربي، سار بدوي القلب". المدهش

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

سؤال الصحبة عند الحركة الإسلامية
"لو صدق عزمك، قذفتك ديار الكسل، إلى بيداء الطلب، كان سلمان أعجميا، فلما سمع بنبي عربي، سار بدوي القلب".  المدهش

(1)

أن تبحث عن من يدلك على الله عز وجل بداية الطريق، أن تكون لك حاجة وإلحاح في الطلب مقدمات أساسية لكل سلوك ولكل حركة فحياتك ضياع لا معنى لها إن لم تظفر بمن يعرفك بالله عز وجل، ولابن الجوزي: لو صدق عزمك، قذفتك ديار الكسل، إلى بيداء الطلب، كان سلمان أعجميا، فلما سمع بنبي عربي، سار بدوي القلب(1) صعد القوم ونزلت، وجدوا في الجد وهزلت.

الصحبة أولا يا أيتها الحركة الإسلامية. إلى أين يركض بك الليل والنهار، أإلى مطالب سياسية أرضية، أم إلى طلب وجه الله عز وجل؟ ما عنوانك في لائحة المتبتلين الذاكرين المذكرين؟ ما نصيبك من صحبة سيد المرسلين؟

لابد أن تجد الحركة الإسلامية المنتصرة بإذن الله عز وجل وهي في قرن التجديد، قرن الخلافة على منهاج النبوة لسؤال الصحبة جوابا، وإلا فإن سلوكها وتفكيرها وإن كانا طيبين فإن روحيهما واتجاهيهما غائبين، عبثا تحاول الحركة الإسلامية الخروج مما تتخبط فيه ما لم تجب عن السؤال الأول والمحوري سؤال الصحبة، سؤال التربية الإحسانية الإيمانية، وهي لا زالت تدفن رأسها في الرمال، وتحفر دون الإجابة عن السؤال الحقيقي والمحوري المتاريس، وهذا لن يخرجها من حيرتها والله سبحانه وتعالى يهيئ جنده، وهذا ما لم يدركه كثير من الإسلاميين فانشغلوا باليومي عن الأمر الجلل الأعظم، معرفة الله عز وجل، ولكنني أعتقد أن الربانية والربانيين قادمون وسيتجاوزون الجميع بإذن الله عز وجل، سيجمع العارفون بالله الشمل وسيقودون الركب عما قريب بإذن الله عز وجل. 

 إن الحركة الإسلامية معرضة للانتكاس إن لم يقدها المحسنون، العارفون بالله عز وجل فالمؤمنون مهما على إيمانهم معرضون لنوازع الاختلاف.

كيف يمكن أن يكون لدينا محسنون بدون صحبة؟ أم كيف تعرف العارفين بالله إن لم تكن منهم؟
الصحابة صحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم، من نصحب نحن؟ الإجابة عن هذا السؤال محورية يا من يتصدى لتغيير ما بالأمة، كيف يداوي العليل غيره؟ أم كيف يغير ما بالناس من لم يغير ما بنفسه؟
إن أول الطريق هبوب القلب من غفلته ورقدته. أي قلب هو قلبك؟
بداية الطريق يقظة قلبية عبر صحبة ربانية في جماعة مباركة نورانية على مشروع جهادي مقتحم.
سلوك الطريق بلا صحبة مغامرة غير محسوبة العواقب.

تعالى معي يا أخي وأختي لجلسة لطيفة مع أهل المعنى الحريصين على دينهم يحدثوننا عن هذا الخبر المنسي في كتابات الإسلاميين وتنظيراتهم وكان أكابر الرجال في يوم من الأيام كانوا يلعبون بدينهم عندما زحفوا على الركب في مجالس القوم، أو عندما كتبوا إحياء علوم الدين، والمنقذ من الضلال، وتأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية، وعندما ذهبوا للبحث عن من يدلهم على الله عز وجل وهم من هم في المعرفة والعلم.

استمع يا أخي يا ابن الحركة الإسلامية، يا من لا خبر له عن موضوع غيبته عاصفة الإسلام الفكري التي أطفأت ما كان مشتعلا من كوانين القلوب ومجاميرها.

 (2)
يقول الإمام عبد القادر الجيلاني قد الله سره: خذ مني دواء لمرض دينك، واستعمله وقد جاءتك العافية. من تقدم كانوا يطوفون الشرق والغرب في طلب الأولياء والصالحين الذين هم أطباء القلوب والدين. فإذا حصل لهم واحد منهم طلبوا منه دواء لأديانهم"(2)
في هذه الجلسة اللطيفة نقف مع هؤلاء الأكابر العظام الذين ذهبوا ليبحثوا عن أطباء لقلوبهم ولدينهم، عسى وعسى أن تستيقظ فينا همة طلب ما عند الرجال.

هاهو ذا الإمام السيوطي جامع علوم عصره، البالغ درجة الاجتهاد، صاحب المشروع الضخم في جمع الحديث وتخريجه، ما باله ينقاد للمشايخ المربين، ويذهب ليلتمس صحبة السادة الشاذلية، ويكتب كتابا في الإشادة بالطريق الشاذلية يقول في مقدمته:"اعلم -وفقني الله وإياك- أن علم التصوف في نفسه علم شريف، رفيع قدره، سني أمره، لم تزل أئمة الإسلام وهداة الأنام قديما وحديثا يرفعون مناره، ويجلون مقداره، ويعظمون أصحابه، ويعتقدون أربابه فإنهم أولياء الله وخاصته من خلقه بعد أنبيائه ورسله"(3)

رحم الله السادة الصوفية فقد حافظوا على هذا اللب لكنهم انزووا وانكمشوا عن ميادين الجهاد هو أمر لا نقبله، بل نموذجنا العالي الغالي الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام الذين جمعوا بين معاني الإقبال على الله عز وجل ومعاني الجهاد والتشمير لإقامة شرع الله عز وجل في الأرض فجمعوا بين الغايتين: الغاية الإحسانية: طلب وجه الله، والغاية الإستخلافية: إقامة العدل في الأرض.
هل كان الإمام السيوطي رضي الله عنه يهرف بما لا يعرف؟ هل ذهابه لصحبة القوم رضي الله عنهم سياحة وترف فكريين، أم أن هناك مادة نورانية لا توخذ من الكتب بل من قلوب أهل الصفاء والوفاء؟

جهبذ آخر من جهابذة هذه الأمة هو حجة الإسلام الإمام الغزالي رضي الله عنه الجبل الراسخ الذي لا يسع المفكر ولا العالم ولا الفقيه ولا الصوفي ولا السياسي ولا الباحث عن أسرار النفس البشرية ولا المؤرخ للفكر الإسلامي والإنساني أن يمروا به مر الكرام(4)، ما باله يترك الجاه والمنصب بحثا عن متبوع مقدم، يؤدي الرجل شهادته بكل صدق وأمانة، وبكل بساطة وسذاجة وهو الفيلسوف البارع في فنون الجدل والمناظرة، يقدم لك هذه الشهادة على طبق من ذهب في كتابه التحفة المنقذ من الضلال عد إلى الكتاب لعل وعسى تستيقظ في قلبك جذوة الطلب والإقبال على الله عز وجل، وتحدث نفسك بأن تلحق بالصالحين أولياء الله عز وجل، وتسلك طريق الرجال ذوي الهمم السامقة الذين تعطرت بأنفاسهم الأزمان.

استمع إلى الرجل الذي ضاقت به الدنيا، وذهب آخر الأمر إلى رجل يعلمه دينه، يقول في كتابه المنقذ من الضلال الصغير الحجم العظيم الفائدة:" ثم إني

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الإمام البنا رضي الله عنه… وأيام المأثورات

كتبها المصطفى مسالي ، في 7 ديسمبر 2006 الساعة: 07:09 ص

لقد كان الإمام البنا رضي الله عنه ملهما وقائدا ربانيا قل نظيره، ومجددا أنار الله به القلوب والعقول، وابتعث الله به جندا ضربوا أروع الأمثلة في الصدق والتضحية، لكن الرجل لم يسعفه القدر لمواصلة المسار، فطُويت مع رحيله رضي الله عنه روحانية عالية غالية، وأصبح الحديث عن سلوك الرجل وأخلاقه مجرد لقلقة للسان، وأفكار نظرية، وإعجاب، وغابت خطة العمل ومنهاجه، فهيهات هيهات أن تتحول الذكريات إلى إرادات.

أرصِّع مقالي هذا بشهادات واستنتاجات عزيزة غالية لرجل من رجالات هذه الأمـة المباركين: الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله، ونستمع بين الفينة والأخرى للوعظ القادري عسى وعسى يوقظ فينا حشاشة الإيمان ومعرفة الله ومحبته، وأبكي بين السطور غياب هذه المعاني عند أبناء الحركة الإسلامية المنتصرة بإذن الله عز وجل، مرسلا عبرات الرجال وزفراتهم على علم صيرته الغفلة والإسلام الفكري الثقافي في مطويات النسيان، مقترحا عليك أخي وأختي سلوكا جهاديا مباركا عظيما.

حطّ الإمام البنا رضي الله عنه الرحال منذ طفولته المبكرة في مروج التصوف، فصحب السادة الحصافية رضي الله عنهم، واجتذبته حلقة الذكر، وأُعجب أيما إعجاب بشيخ الطريقة الحصافية حسنين الحصافي رحمه الله، كل ذلك يذكره في مذكراته.

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله: "لقي الطفل حسن البنا الإخوان الحصافية وهو في الثانية عشرة من عمره في المسجد، فاجتذبته حلقة الذكر (بأصواتها المتسقة ونشيدها الجميل وروحانيتها الفياضة)، واجتذبته سماحة الشيوخ الفضلاء والشباب الصالحين وتواضعهم فواظب على حلق الذكر، وقرأ مناقب شيخ الطريقة الذي مات قبل ذلك بثمان سنوات فأُعجب بسيرته غاية الإعجاب (…) ويرى البنا رؤيا يقصها بطولها (مذكرات الدعوة والداعية ص12)، يجادل فيها الشيطان ويباريه حتى تلقاه الشيخ الجليل في صدره واحتجزه وطرد الشيطان. ولازم البنا الطفل قراءة الوظيفة الحصافية ومصاحبة الإخوان الفقراء…"(1).

آهٍ كم فرطت الحركة الإسلامية في عالم الغيب، أو روزنامة الغيب كما يسميها الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره، فهاهو ذا البنا يقصّ الرؤيا بطولها. الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع صحابته بعد صلاة الصبح ويستقبلهم بوجهه الشريف قائلا: من رأى منكم رؤيا فليقصها علينا، فيعبرها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل نستقبل وجوه بعضنا البعض ونتحاكى روزنامة الغيب، أم أننا لا خبر عنه مقطوعون محجوبون؟ فكيف تستقيم الإرادة ويستقيم العمل؟ آهٍ كم نحن حزينون على ابن الحركة الإسلامية المسكين، شباب كله توقد وعزيمة، لكن من يأخذ بيده؟ من يصحب؟ من يدله على الله؟ كان الله في عونه.

هذه الروحانية التي يبحث عنها الشباب تلقاها الإمام البنا رضي الله عنه مبكرا رفقة أهل الله الذاكرين، وهو ما حاول أن يبثه في برامج الجماعة ومناهجها اعترافا بالجميل ووفاء للسادة الحصافية رضي الله عنهم، "كان رحمه الله رائدا في العمل الإسلامي، أخرجه من سبات التدين الفردي إلى آفاق التربية الجهادية والتنظيم وغشيان الساحة العامة التي كانت تحتكرها قبله الأحزاب السياسية. رائدا كان، والرائد لا يكذب أهله، والرائد الصادق إن لم تغتله المنية لا يهدي أهله لغير المربع والمرتع والمنبع. فكانت ريادة البنا رحمه الله تتطلع إلى منبع الكتاب ومربع السنة، حط هو في خاصة تربيته منذ الطفولة في مروج التصوف التي تسقى من ذلك النبع العظيم، وأراد أن يحدو بركبه الكريم خطوات جامعة. فخالفه الصوفية، وطوت من بعده جماعة الإخوان شهادته القيمة ونقده الأصيل للتصوف، نقد من ذاق حلوها ومرها، لا تخريف من يهرف بما لا يعرف"(2).

لقد وقف الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله وقفات مباركات مع فكر الرجل ودعوته تبين عمق تفكير الرجل ورحمته وتواضعه وسعة اطلاعه، يا ليت الحركة الإسلامية تقف عند إشاراته، وتستوعب الدروس العميقة التي وقف عندها الأستاذ المرشد ناصحا مشفقا، منظرا لغد إسلامي مشرق قريب بإذن الله عز وجل، وكم أقف في كتاباته على حسرته وأسفه على واقع الإسلاميين، وهو الأب الحنون والمربي الحكيم.

إن سر نجاح دعوة الإمام البنا الأولى، ليس كثرة الخطب ولا الفكر الإسلامي وإنما هو صفاء قلب الرجل وروحانيته العالية المتدفقة، كل ذلك استمده واقتبسه من صحبة أهل الله الذاكرين المقبلين عليه، إنه سر الصحبة ، وهذا السر وللأسف الشديد قليل من الإخوان من يدركه، "حسن البنا أكرمه الله بمحبة أوليائه، وأجلسه في مجالس ذكره، وأيقظ فيه غيرة على الإسلام وتشوقا لموعود الله، وتوقا لنيل رضاه، فمن صحبة الأخيار انبعث في قلبه هذا الحب الإلهي الذي يغمر قلب المؤمن فيحب لإخوانه ما يحب لنفسه، ومن صحبة الأخيار توطدت في نفسه مثل الاستقامة على دين الله وإخلاص العمل له، ومن نور الأخيار اقتبس حتى أصبح لله ذاكرا وإلى دينه داعيا…"(3).

لطالما ذكّر الإمام البنا رضي الله عنه في رسائله وألح على التربية الروحية والمحافظة على الأوراد، والوظيفة الجماعية وأسس للرابطة الروحية بين أعضاء الجماعة.

إن بقاء الحركة الإسلامية بدون صحبة تدل على الله ضياع وغفلة، وتيه في ميادين الفكر والجدل، بل والعياذ بالله غياب للتوفيق والتأييد، وأخطر ما يمكن أن تبتلى به الدعوات هو غياب التأييد الإلهي.

نستمع إلى الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره: "العلماء العمال بالعلم نواب الله في أرضه، ورثوا الأنبياء والمرسلين، لا أنتم يا مهوسين، يا مشغولين بلقلقة اللسان وفقه الظاهر مع جهل الباطن. يا غلام ما أنت على شئ ! الإسلام ما صح لك! الإسلام هو الأساس الذي يبنى عليه، تقول لا إله إلا الله وتكذب! في قلبك جماعة من الآلهة، خوفك من سلطانك ووالي محلتك آلهة. اعتمادك على ربحك وحولك وقوتك وسمعك وبصرك وبطشك آلهة (…) القلب هو المومن، هو الموحد، هو المخلص، هو المتقي، هو الورع، هو الزاهد، هو الموفق، هو العارف، هو العامل، هو الأمير، ومن سواه جنوده وأتباعه"(4)

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حاجة الحركة الإسلامية الى إطالة اللبث في المساجد

كتبها المصطفى مسالي ، في 6 ديسمبر 2006 الساعة: 23:55 م

تتنكب الحركة الإسلامية الطريق عندما تظن أن المنطلق غير المسجد

(1)

المسجد عنوان الرجعة والتوبة بعد التوبة .

تتنكب الحركة الإسلامية الطريق عندما تظن أن المنطلق غير المسجد .

من جانب المحراب ، ومن على حصيرة المسجد يبدأ السير القاصد لحركة الإسلام نحو ساحات الفعل وميادين الجهاد ، وإلا كان وجودها استعراضا وما يغني الاستعراض والقلوب غافلة والمنطلق مخروم .

في البدء كان المسجد ومن المسجد وإليه .

 

(2)

يتهارش السياسيون ويتعالى لغط الساحة وهذيان العالم وهوسه ، وتكثر التكهنات والتخرصات : علاقات بين العباد غافلة عن رب العباد .

موعدنا المسجد يا من تريد التوبة والرجعة والإقبال على الله عز وجل ، موعدنا المسجد يا من تريد تجديد الخلافة من جديد ، موعدنا المسجد يا من تريد تجديد اللقاء التاريخي النوراني المقدس : لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحابته الكرام ، وإلا فخبرني بربك كيف يصل بالنبع من هو مقطوع ؟

ماذا يفيد أن تتسكع الحركة الإسلامية في دروب الغفلة عن الله ، وتعرض عن بركات الرباط : انتظار الصلاة بعد الصلاة ، وتظن أنها قادرة على الفعل ، قادرة على التغيير،  هيهات هيهات فمن لم تحلق به روحه إذ هو على حصيرة المسجد البالية فلن يطير به بساط السندباد كما يقول محمد أحمد الراشد حفظه الله .

من فناء الكعبة والمسجد الحرام انطلقت مسيرة عظيمة ابتدأت بصحبة مباركة وثنت بجماعة مجاهدة أقامت دولة على مرأى ومسمع من ملإ القرشيين المتربصين .

المنطلق صحبة وجماعة في فناء الكعبة والمسجد الحرام .

 

(3)

الإسلام الفكري والتوبة الفكرية شتات وسطحية وضياع في ميادين الجدل تواترت ضحاياه وكثرت نكباته .

صف إسلامي يريد التغيير ، جدل وسفسطة ونقد ذاتي مزعوم ، ما هكذا تورد الإبل ، ويرد الأفراد على حوض الحركة الإسلامية الفياض .

التوبة الفكرية العقلية انحصار واندثار،  وإلا فالمعول عليه اقتباس القلوب من القلوب .

من بوابة المسجد ينبغي أن ندلف ، ومن صحبة أهله ينبغي أن نقتبس .

حركة إسلامية يراد لها أن تستقيم لا بد أن تدلف من محراب الاستقامة أول ما تدلف .

 

 (4)

منطلق التوبة : الصحبة ، صحبة أهل المسجد أساسا .

يقول الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره :" التوبة قلب دولة " قلب دولة الغفلة التسيب يبدأ أساسا من صحبة أهل المسجد الذاكرين .

يقول الكاتب الألمعي مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في سفره التحفة "وحي القلم" :   " فالمسجد هو في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ به الاجتماع .

هو فكر واحد لكل الرؤوس . ومن ثم فهو حل واحد لكل المشاكل وكما يشق النهر فتقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم ، يقام المسجد فتقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله … فم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في الملتقى…دلالات وعبر

كتبها المصطفى مسالي ، في 6 ديسمبر 2006 الساعة: 17:58 م

لمســات إحســانية (3)في الملتقى … دلالات وعبر

ذ. المصطفى مســالي

(1)
كان الملتقى على بطحاء مكة، وبالصحبة امتد الانتساب.
استبد بي الشوق، وشدني الحنين وأنا أتابع فعاليات الملتقى الطلابي إلى اللقاء النوراني الأول، وامتدت لحظات الزمان والمكان البيضاوي الدافئ لتعانق لحظة الميلاد السعيد الأول، ومتى صبت الأنهار في غير بحر الصحبة الزاخر المعطاء شرب الناس كدرا وطينا.
يؤصل الناس لملتقياتهم بعناوين شتى، وملتقانا سلوك واتجاه، حركة رحيمة رفيقة تصيح تنادي من هنا الطريق من هنا البداية.
الملتقى استمرار واستبشار، تطور في الأداء، واستمرار في العطاء، نركب مطايا الجد وإن طال السرى، ونسافر على رواحل الصدق.
الملتقى مشهد من المشاهد. وقف الصحابة ونقف نحن اليوم، تجمهروا فتجمهرنا، وكأني ببلال رضي الله عنه ينادي الصلاة خير من النوم، والوليد بن المغيرة يقدم قومه في التيه، وأبو جهل غارق في لجة اليم.
ملتقانا محبة ووفاء، وبالحب نسجت معاني هذا الكون، وبه تناغمت إشاراته.
وهل ينقص الأمة إلا الحب في الله، وهل ظلت مسجونة كل هذه السنون في سجن ذلها إلا لفقدها هذا المفتاح: مفتاح
جنة الدنيا والآخرة، لو تحاب الناس لما كان بينهم ولا مهضوم.. ولا قفرت الجفون من المدامع إلا على الله..
ولا طمأنت الجنوب في المضاجع إلا لله. ولمحت رحمة المحبة الشقاء من الأمة كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام.
وبها يصير الفرد هو الأمة..وإنما يتعدد بتعدد الصور..أتدري متى يكون الإنسان إنسانا؟ متى عرف هذه الحقيقة حق
المعرفة وأشعرها نفسه.. فخفق قلبه لخفقان القلوب وسكن لسكونها، فإذا انقطع ذلك السلك الكهربائي بينه وبينها
انفرد عنها، واستوحش من نفسه…
ولهذا لكم تحصر أهل الله على قلة وجود"الإنسان" فقال أحدهم: وأفتح عيني حين أفتحها فأرى كثيرا لكن لا أرى أحدا. وإذا وجد الواحد من أهل الله بين جوانح الإنسان ضالته من القلب المحب..وجدت الأمة ضالتها من السعادة والهناءة.
هذه الجموع الملبية وقد فاضت نفوسهم إلى حياة النور، هدفها محبة الحق وخدمة الخلق، ألا وإن نسيان الحق يقود إلى عمى الخلق، في زمن يطارد فيه الأبرار، ويعتو فيه الشياطين على زمرة الأخيار.
لا خير في حياة يظن أصحابها أنهم سادة وهم في الحقيقة عبدة أوثان.
تصبح هذه الجموع الملبية وعليها سما القرب، بعد أن هبت عليها رياح الأسحار، فسقت الأرواح، حاملة رسائل الحب، فابك يا عريان الغفلة !!!
دكاكين الغفلة مشرعة الأبواب في عالمنا الكريه، رائجة البضاعة فمعتق نفسه أو موبقها، وتجار الكلام وسماسرته يملأون الفضاء ضجيجا: علاقات بين العباد غافلة عن رب العباد، يا حسرة على العباد !!!، وهوس الفضائيات ولغطها يسرق من الزمان والمكان مبناه ومعناه، لماذا يمضي المرء عمره في مضغ الكلام؟ ومشروع الله عز وجل منفتح على السعادة الأبدية.
غص في نفسك لحظة كم هو عالم النفس مضطرب موار، وكم هو عالم الصحبة هادئ: سلوك واتجاه.
هذه الحركة باتجاه الخالق سمو ورفعة، حياة ومعنى، ومتى كان الملتقى في غير الله فلا حد لحسرة الناس.
الملتقى حركة سالك إلى مسلوك إليه.

(2)
الملتقى مسيرة ومسير.
مسيرة انطلقت من فناء الكعبة والمسجد الحرام: مسيرة مسجدية تدلف من باب الاستقامة، تلجأ إلى حرم التضرع، فهي مسيرة الطلب، لا تبرح عن الطلب حتى تبلغ مجمع البحرين.
من المنابع ننطلق وإليها.
مسيرة الطلب أنعم بها من مسيرة، فهي مسيرة طلب لوجه الله، ومسيرة طلب علم، ومسيرة طلب حق.
ركب الطلاب أنعم به من ركب، هذا الجمع العلمي المبارك، هذا الرهط الزكي، دعاة التجديد، والاجتهاد والإبداع والنظر الشمولي ولا فخر.
أول مشهد من مشاهد المسيرة: الافتقار إلى الله عز وجل، فالإحساس بالافتقار إلى الله عز وجل أول قدم في المسيرة.
مسيرة همها عمارة الأرض بالدعوة لتستعيد حرمتها كما خلقها الله أول مرة بيضاء نقية، فيا رهط التقى هذه مشاعل القبول، جردوا سيوف العزائم، وادخلوا عليهم الباب.
لا هم أعظم من هم الدعوة إلى الله عز وجل.
مسيرة تخطو خطوات العزم والتصميم، تخرج إلى سعة وضياء وأفق رحيب، معها ضياء العلم والكتاب، فهي تؤكد ذاتها المتميزة… مقترحة نفسها على التاريخ.
مسيرة تصاحب الأقلام، تعيش مع الأمة الآلام، وتصافح الأقران، تخدم جمع الطلاب، وتترنم بالقرآن، وتطل من نافذتها على نجوم الأسحار، وتتهجد إذ الناس نيام، فلما يتمخض الأمر تتساند إلى رواحل الاستغفار.
مسيرة متئدة صا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لمسات إحسانية(1) - ركـب الـرواحـل

كتبها المصطفى مسالي ، في 6 ديسمبر 2006 الساعة: 12:38 م

ركب الرواحل أنعم به من ركب: طهر وصفاء ومحبة ووفاء واستقامة ومضاء. فكيف بك يا نفس وقد هجرت، ونأيت عن ديار الأحبة

(1)
عرفت رواحلنا متبتلة باكية منكسرة بين يدي الله عز وجل، مقدمة بطاقة الإفلاس والعجز(1)، من لي بمثلها تتقلب في السجود(2): تدعوا، تئن، تملأ الجو عبقا، نسمة لطيفة تدخل على الجو فتملأه عطرا وشدا، وكأني أراها تتململ تململ السليم، وتبكي بكاء الحزين(3): هو ذاك رجل الليل، ليل التبتل، ليل الانكسار، ليل الذل، هو ذاك خريج مدرسة الليل، خريج مدرسة أبي الدرداء ومصعب بن عمير والذين معهما، ليتني مثلها، ليتني أحظى منها بدعاء، ليتني أدخل في سجل السبعين(4) أنا الوسنان. آه ثم آه، واحسرتاه على هذه النفس(5) الحائرة البائرة، سبقها الرجال وتاهت في أزقة الغفلات(6): من لها غير الصحبة، غير العبرات والزفرات والأنين تملأ بها ليل الغافلين.

 مشتاقة هي رواحلنا لمعرفة الله موصولة بالنبع النبوي غير منقطعة، حازت قصب السبق وحققت الانتساب، فالصحبة مفتاح، والصحبة أول الطريق، ومن لا يرى المفلح لا يفلح، ومن خرج من الدنيا ولم يفز بالله فلا حد لحسرته وأول قدم في الفوز بالله صحبة الولي المرشد.
رواحلنا جماعة دعوة وتوبة، تتوب إلى الله وتطلب من الناس أن يتوبوا، سيرها سير قلبي وسلوكها سلوك جهادي وطريقها طريق سلطاني، فقه رواحلنا فقه منهاجي جامع، فقه شامل مجدد لا منقطع أو منحبس، تحذر رواحلنا الذهنية الرعوية والأنانية المستعلية والعادات الجارفة، لا تكفر المجتمع ولا تجهله وتجعل الصفة الغالبة عليه فتنه، تحذر الإسلام الفكري وفقه لا يجوز ملتمسة العذر، مبشرة لا منفرة، مقطورة هي رواحلنا، حاملة لا محمولة.
 بارقة أمل في زمن الفتنة البهيم هي رواحلنا، كل معنى لطيف أو إشارة خير حواها لفظ الرواحل.   
رواحلنا امتلكت الخطة والمنهاج ووحدت الفهم والتصور، شعارها: "لا تكن مثل فلان فإنما هو غريق وتائه لا تبدوا له طريق"، ماؤها واحد والزهر أنواع وألوان، لا تستفزها الأحداث ثابتة المبادئ والمواقف، قد تسكت عن بعض الحق لكنها لا تقول الباطل، تنبذ العنف، منهاجها الرفق النبوي، صابرة محتسبة في غير ما استكانة ولا خضوع.
متآخية متراحمة متغافرة هي رواحلنا أحيت عقد الأخوة(7)، وتواصلت منها القلوب وترابطت، متصلة بالسابق والحاضر واللاحق عبر دعاء الرابطة(8) أعظم به من دعاء، وأكرم بها من صحبة أجود ما تكون، تنفق، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
متصافية هي رواحلنا، طردت الفويسقة من الدار، جاعلة من "من بيت في قلبه غلا لأحد إخوته فكأنما ترك الفويسقة في الدار" الشعار، والفويسقات ينبغي قتلهن، وإلا فلا تسأل عن الصف ووحدته وصفائه     
 (2)
من جانب المحراب ومن على حصيرة المسجد ينطلق سير رواحلنا المقبلة على الله عز وجل ورفقة أهله أهل العدل والإحسان تنبت في رواحلنا وتثبت معاني الرجعة إلى الله والتوبة بعد التوبة.   
 مسجدية هي رواحلنا: تسبق الأذان إلى المسجد، تحف الخطى إليه، تدخل الأوقات الإلهية بأدب، لا تفوتها البلاليتان(9) يتغير لونها لحظة الأذان(10)، وكأني أراها في المسجد تارة متبتلة، وأخرى باكية، وطورا ممرغة جبهتها من على حصيرته، تنتظر الصلاة بعد الصلاة، ترابط ما بين العشاءين(11) وكذلك كان دأب الصالحين: شغل ما بين العشاءين بالذكر والأنس بالله، مقبلين عليه بقلوبهم وأرواحهم، عرفتها سواريه، وبكتها لياليه، وسكنت إليها جوانبه، وانطوى فيها عالمه، آه يا سيدي كم هو جميل فضاء المسجد وأهل المسجد.
ساجدة القلب هي رواحلنا، عرفتها وتدا من أوتاده(12) تفتقدها الملائكة إذا غابت، وتعودها إذا مرضت، وتقضى لها الحوائج إذا احتاجت، هكذا هي: غرة، بهية، سنية: حجلها الوضوء، وزينتها الصلاة، ورفعتها الخطى الدرجات، تدلف من باب المسجد، تحمل زاد المسير من جانب المحراب: وكأنها على خطى السيد المسيح عليه السلام.
مسجدية هي رواحلنا، تقوم إلى الصلاة متى سمعت النداء مهما تكن الظروف(13)، تصلي صلاة مودع، تحذر الانكفاء والانزواء، تنطلق إلى ساحات العمل والمدافعة والمثافنة السياسية وقلبها مشدود إلى السماء، وإلا فكيف بالأرضي المقطوع أن يعيد الفتل والبناء من جديد؟
تتقن فنون التجميع رواحلنا، تنزل على رسلها إلى ساحات القوم ونواديهم، تحذر الانكفاء والانطواء شعارها:
جَلْجِلِ الجو بالأذان شعارا   وإلى المسجد الجميع دعوته(14).
قرآنية هي رواحلنا: القرآن رسالتها والمسجد عاصمتها، عقدت العزم وتعاهدت على الحفظ ملبية نداء الصحبة العالي الغالي أعظم به من نداء، فهي تتقلب بين ورد قرآني ثابت، وآيات فاضلة، تترنم تشدو تتوق بل تحوز المقام الأسمى: اقرأ وارق باثة القرآن في صدور الخلف من الأبناء والبنات، لها ورد من الصحاح ومذكرات الرجال.   
ذاكرة مذكرة هي رواحلنا، سبحتها أعياها التفريد، وهي من جمع سبق المفردون، متصلة لا منقطعة، عرفتها مجالس الذكر: ورد لازم وجلوس للذكر عازم، وكأني أنظر إليها سكنتها محبته، وفاضت من جوانبها أنواره، زينتها مجالس الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوامة هي رواحلنا، شعارها "من لا حظ له من الليل لا حظ له من الولاية"، إذا جن الليل سمعت لها أزيزا كأزيز النحل، وما أن ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل حتى تراها كالثوب الساقط(15) خاشعة منكسرة مرددة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم في ليلة النصف من شعبان:"سجد لك خيالي وسوادي وآمن ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عندما تغيب القيادة الربانية والمنهاج

كتبها المصطفى مسالي ، في 6 ديسمبر 2006 الساعة: 12:00 م

يتنكب أبناء الحركة الإسلامية الطريق عندما يعتقدون أن قادتهم سياسيون محترفون.
الحركة الإسلامية مشروعها الاقتحامي ومسيرتها التاريخية معرضان للانتكاس إن لم يقدهما المحسنون أولياء الله عز وجل لأن المؤمنين مهما على إيمانهم معرضون لنوازع الاختلاف، وأفغانستان الابتلاء ماثلة أمامنا

في الأمة اليوم دعاة إلى الله عز وجل كل يعرض على الناس الكتاب والسنة، وكل منهم خصه الله بعلم يدل به على الإسلام والإيمان والإحسان، لكن الله عز وجل اختص قليلا منهم باعتماد المنهاج، فعلموا جند الله كيف يبني الصف المسلم المؤمن المحسن إعدادا لفتح الدنيا وفتح الآخرة.

لكل طالب حق يفتح المنهاج النبوي الباب ليدله على غايته، ومطلبه لكي يسمو إلى هدف سام، أراده رجال مباركون لهذه الأمة المباركة.

نجد أناسا قانطين من طريق الحق والعدل، لكن بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعود الخلافة على منهاج النبوة، وبشرى الله بالتمكين والوراثة قائمة.

وسنة الله عز وجل في الفراعنة والهامانات وجنودهم تتكرر، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا، وما الحفرة الصدامية عنا ببعيد، والله يعد من طغى وتجبر وأعرض عن ذكر الله عز وجل بالمزيد.

الهم الأكبر الذي ينبغي أن يحكم حركة الإسلام هو تجديد الإنسان وتغييره.

هل الهم هو أن ندخل مع المشاركين في هذا الضجيج السياسي – مع الإشارة أننا لا ننكر العمل السياسي- الذي تختلط فيه الأوراق، أم يكون همنا هو صناغة هذا الإنسان، هو إعادة بناء هذا الإنسان، والإجابة عن أسئلته الحقيقية، ولذلك فنحن نعتقد أن أول خطوة في نهضة هذا الإنسان هو أن يغير ما بنفسه، فإن الحركة دون معرفة النفس وأمراضها وعلاجها هوس، فلا يقدر أن بغير المنكر من في قلبه منكر النفاق، ولا يقدر يأمر بالمعروف من لا يعرف الله عز وجل.

إن وهم "الإسلام السياسي" الذي وقع فيه العديد من المتحركين للإسلام يفرغ حركة الدعوة من المعنى، فتكون عرضة لسقوط المبنى.

أجاب الإمام البنا رضي الله عنه إجابات حقيقية عن مفاتيح التغيير، بل قدم نفسه أنموذجا يحتذى، صحب الرجل السادة الحصافية في مبتدأ الطريق محصلا بذلك نقطة البداية نحو التحرك السليم لأجيال الصحوة الإسلامية المباركة، ألا وهو لقاء الإنسان مع الغيب، وقد حدثت لقاءات تاريخية كانت منعطفا تاريخيا في حياة الأفراد وسلوكهم لابد أن تتأملها الحركة الإسلامية مليا.

إن الحركة بعد البنا سقطت في دوامة العنف السياسي، وتيار التغفيل عن الله عز وجل، وإنه لا علاج لهذه المنزلقات إ لا أن يقيد الله للركب الإخواني قيادة ربانية ترسم الخطة وتكتشف المنهاج.

لقد أصبح لزاما اليوم على أبناء الحركة الإسلامية اكتشاف المنهاج النبوي الذي يرفع الإنسان من مستوى العادة إلى مستوى الفطرة، يعطيه روحانية ونورانية وقوة كما فعلت الدعوة الأولى على صاحبها أزكى الصلاة والتسليم، لذلك يؤكد الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله على أهمية اكتشاف المنهاج النبوي يقول: "ليست العبرة أن نلتمس أقصر طريق للحكم الإسلامي، ولا أن نلتمس أضمن الوسائل رأي العين، فكل طريق غير المنهاج النبوي، وهو السنة، وكل وسيلة لا يقبلها الشرع أمور مرفوضة، العبرة أن نكتشف المنهاج النبوي في التربية، ذلك المنهاج الذي كان عملا باهر النتائج، خرج من مدرسته كبار الصحابة، عظماء الأمة، نخبة الإنسانية بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، العبرة أن نكتشف أسرار المنهاج النبوي، الذي نتج عنه الجهاد الخالد الذي كانت ثمرته "المعجزة التاريخية" التي غيرت العالم أعمق تغيير وأوسع تغيير وأسرع تغيير"<1>، إن الإخفاق الذي تحدث عنه الدكتور الترابي حفظه الله في حواره المنشور على موقعكم المبارك سببه عدم اكتشاف المنهاج النبوي في التربية، فليس المهم أن نلتمس أقصر الطرق للحكم، لكن ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الربانية…أمل الأمة القادم

كتبها المصطفى مسالي ، في 5 ديسمبر 2006 الساعة: 21:55 م

مشروعنا التجديدي مالم يكن مبنيا على طائفة من العلماء الربانيين فلن يستقيم البناء.

"…وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسد، وموت قبيلة أيسر من موت عالم". رواه البيهقي في شعب الإيمان.
مطلع ومناجاة

يا إلهي لقد سيطرت نفسي على كلي، فإن لم تأخذ بيدي فالويل لي، كما لوث العبث روحي ولم تعد لي طاقة لتحمل أي عبث، فإما أن تخلصني من هذا الفساد، وإلا فلتنه حياتي ولتوارني التراب…
الناس يخشونك. وأنا أخشى نفسي، فما رأيت منك إلا كل خير، وما رأيت من نفسي إلا كل شر…
فمن هذا البحر المتلاطم أنقذني، ولم يعد لي من حيلة غير العجز والمسكنة، فتداركني اللهم بصحبة أوليائك، وكيف يفلح من لا يرى المفلح؟
رحمك الله يا فريد الدين العطار…
(1)

عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:العلماء خلفاء الأنبياء رواه البزار ورجاله ثقات إن الحبل الذي يصل الأمة برسول الله صلى الله عليه وسلم هم المجددون الربانيون، وهذا الأمر اصطفاء إلهي يجتبي له من يشاء من عباده.
 
فهل يمكن لركب الحركة الإسلامية، أو ركب التجديد أن يتقدم خطوات إلى الأمام في غياب العلماء الربانيين المجددين؟
هل يمكن لمشروع التجديد أن يسير دون العلماء؟
لقد انقلبت الموازين عند كثير من الإسلاميين، فنسوا أن الله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
مشروعنا التجديدي مالم يكن مبنيا على طائفة من العلماء الربانيين فلن يستقيم البناء، وفي المستقبل القريب لحركة الإسلام إن شاء الله، ينبغي أن ينصب التفكير لتمكين العالم الرباني من أن تكون له هيبته وسط الأمة، وهيمنته على الدولة. وابن مسعود يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:موت العالم ثلمة لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار. إن حائط الإسلام يتكسر بموت العالم، تلك الفجوة لا يسدها شيء، وموت قبيلة أيسر من موت عالم.
لكن لماذا يعطي الله عز وجل للعالم هذه المرتبة؟
سأل هلال بن جناب سعيد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتاب سنة الله…نحو محاولة للفهم (الجزء الأول)

كتبها المصطفى مسالي ، في 21 يوليو 2007 الساعة: 15:11 م

كتاب سنة الله…نحو محاولة للفهم (الجزء الأول)

 

المصطفى مسالي

بطاقة الكتاب:
صدر الكتاب في طبعته الأولى في سنة 2005 عن مطبوعات الهلال بوجدة، وهو من الحجم المتوسط، يقع في ثلاثمائة وأربعة وثلاثين صفحة موزعة على مقدمة وخاتمة وأربعة فصول جاءت تباعا: القاسية قلوبهم، روح الجاهلية، الصحوة الإسلامية، من الشكوى العاجزة إلى الوعود الناجزة.
تم تـأليف الكتاب منذ أكثر من عشرين سنة، فادخره الله تعالى توفيقا منه وتسديدا إلى هذه الحقبة من الزمان الذي بلغ فيها علو اليهود أوجه: إفسادا في الأرض وهيمنة على الشعوب والأمم رغبا أو رهبا؛ ادخر الكتاب إلى هذا الأوان ليسمع المسلمون والعالم شهادة الله تعالى في بني إسرائيل، ويعرفوا إذا جهلوا أو تجاهلوا أو خدعوا حقيقة من لعنوا على لسان أنبيائهم ورسلهم، وحقيقة خـبثهم وما يشكلونه من خطر على البشرية جمعاء.

المقدمة الأولى: بـينـات.
أرتب الحديث في فهم الكتاب واستكناه جواهره على مقدمات أجعلها مداخل لقراءة متأنية تطلب أول ما تطلب كشف غمة الحجاب، والظفر بصحبة أولي الألباب، المتصدين لإحياء ما اندرس من أصيل الأصول، وما أصابه من دعوى الشك والارتياب، وصرف النظر إلى فقه كان مبحث الصحابة رضوان الله عليهم صيرته الغفلة، وما كسبت أيدي الناس في عداد المفقودات، بعد أن انطفأ من الأمة ما كان مشتعلا من كوانين القلوب ومجاميرها، وأصابها من داء الأمم ما جعلها لا تقعد مقعد القرآن، ولا تستقي من مصدر الوحي ما ينير طريقها وينتشلها من وهدة الانحطاط والهوان، ولست تعدم من الأمة مجددا قائما استجمع الشرائط، وأخرج إلى الأمة ما استودعه دستورها من أعلاق وذخائر، ودلها على الفهم الصحيح، والمنطلق البين الصريح، ليكتمل رشدها ويشتد عودها ويتجدد إيمانها، فينطلق رهط منها مقتحما مراغما، مستجيبا للنداء ملبيا، وقد امتطى صهوة جواد الصحبة المنيف، مخلصا القلوب من شوائب الفتنة وكدرها، فلم تطلب غير الله، ولم تظفر بسواه، وهي في سلك جند الله قد درجت، وفي معمعان الجهاد في سبيل الله قد ثبتت، وعلى نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقامت، وبذلك تدور سنة الله في صالح العبد آخرة وفي صالح الأمة دنيا وأخرى1 ، فمعرفة طب القلوب ودوائها مقدمة أساسية لفقه سنة الله عز وجل الماضية في العباد ومصائر الرقاب.

وإن الناظر في كتاب سنة الله وفي غيره من كتب الأستاذ المرشد حفظه الله يلحظ الموافقات الإلهية في زمن إخراج الكتاب، وعجيب تصرف الله عز وجل فيما تدبجه أنامل وتخطه أقلام من كان للخلافة مجددا، وبالنبع متصلا، وللصحبة والجماعة جامعا، وللسلوك الجهادي النبوي الصحابي باعثا، فلا غرو أن يكون ما يكتبه الرجل بحرا لا تكدره الدلاء: بحر لا يساجل وجم لا يحافل. فها أنذا في هذا اللفيف المبارك أجلس في محراب المدرسة المنهاجية متتلمذا، متنسما من عبير موافقات الرجل ما به أزيل غبش الرؤية وضباب الفهم، طالبا آثار الصحة والعافية لجسم الأمة السقيم، وفكرها العليل الكسيح، وقد نابذته الشواغل عن رب كل مشتغل وشاغل، وانسحبت عليه معطيات الساحة الواقعية فأعمته عن طلب الدليل، والتوسل بخير كتاب أنزل، وأعظم نبي أرسل، لكن لا يعدم الخير في هذه الأمة المحققة للوعد الناجز، والأمر الفاصل الحاسم، فلها الكرة والغلبة بعد السقطة والكبوة، ولها الجولة الحاسمة مع روح الجاهلية، والله يهيئ لنصره من يشاء.

فأما من سولت له نفسه درك مبتغى الرجل بمجرد المُشَامَّة، والمطالعة المبتسرة المجتزأة، واضطراب الفكر وعلته، دون أن يكلف نفسه عناء طلب الدليل، واستجلاب الفهم الصحيح القويم، والتساهل في البحث والتنقير، والانفكاك عن الجد والتشمير -كما قال شيحنا أبو حامد رضي الله عنه-، فأخلق به أن يكون من الذين {لا يعلمون من الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون 2.

المقدمة الثانية: القلوب منبع الطاقة البشرية المحركة للتاريخ.

الكتاب إلحاح وإفصاح وبيان عن مكمن الداء وموطن البلاء: القلوب عندما تقسوا ويعلوها دخن الجاهلية، واختلاط الفتنة، وما الأحداث الهائجة المائجة من حروب طاحنة، وانقطاع أرزاق، واستبداد وقهر، إلا نتائج لما يعلوا القلوب، فينساب الإنسان من قمم الإحسان والترقي وطلب ما عند الله عز وجل متسافلا، متساقطا، متسلطا، وتلك هي مجاري سنة الله في الإنسان الذي غفل عن فقهها، ولم يطلب الدليل الكاشف لسرها المبين لمغمضاتها الدال على منابعها وأصولها في زمن اختلاط الحق بالباطل، فعلى قدر انحلال القلوب وانسلاخها عن الدين تقع المصائب والطوام، ويدخل الله عز وجل الأمة مصارع الابتلاء ومقارعه، إذ القلوب منبع الطاقة البشرية المحركة للتاريخ 3، وأي حراك للتاريخ خارج فقه القلوب ودوائها حراك خداش، فعلى قدر صلاح القلب يدور صلاح أفعال العباد، وعلى قدر فساده تفسد حركة التاريخ وتضطرب، ونحن عندما نتحدث عن الفقه القرآني السني للتاريخ وارتباطه بفقه القلوب، فليس ذلك إهمالا منا للأسباب الأرضية، لكن، للإنسان في هذه الدنيا معنى واتجاه، ولأفعاله الأثر الأول فيما يصيبه ويصيب المجتمع من بلوى 4، وهذه الحقيقة التي يؤكدها الأستاذ المرشد في سفره هذا التحفة، وانبنت عليها نظرته التحليلية المتميزة لمجرى التاريخ ومصائر الأمم، انزوت حركة تفكير الإسلاميين بعيدا عنها، فأصاب حركتهم من لوثة الغفلة ومزالق التسطيح ما أذهل الكثيرين عن تبين الطريق الصحيح، فأذهلتهم الساحة الواقعية عن سماع كلمات الله عز وجل في الآفاق وفي الأنفس، وهذا الذهول المعرفي القلبي صاحب التنظيرات فجاءت في أغلبها مبتسرة يعلوها ضجيج في الفهم وغبش في الرؤية، وجملة الأمر في التحقيق أن أدهى ما يلقاه السالك للطريق فقد الدليل، مع ذهن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

معا نحقق الصحبة…مركزية الصحبة في سير الحركة الإسلامية الراشد

كتبها المصطفى مسالي ، في 12 ديسمبر 2006 الساعة: 12:27 م

(1)

في هذه العصور المتأخرة غيب فقه السلوك إلى الله، فقه المحبة،فقه الشوق إلى الله ومعرفته نتيجة هبوب عاصفة شديدة، عاصفة الإسلام الفكري الثقافي، ولوثة الغفلة والتسطيح فأطفأت ما كان مشتعلا من كوانين القلوب ومجاميرها.

الفقه النفطي، فقه الكراهية، فقه محاكمة الناس وتكفيرهم، فقه العنف الأعمى الأهوج وبال وانتكاس وشرود عن المنهاج النبوي المغيب.

أولى لبنات هذا المنهاج النبوي الصحبة والمحبة وهما دعامتان أساسيتان أقام عليهما الرسول صلى الله عليه وسلم جماعته الأولى، وما الحركة الإسلامية إلا امتداد وتجديد لتلك الجماعة وذاك الاجتماع.

الحركة الإسلامية جماعة دعوة وتوبة، تتوب إلى الله وتطلب من الناس أن يتوبوا إليه.

سكوت إسلامي مريب عن لبنة- الصحبة والمحبة- من أهم اللبنات التي أسس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته ومنهاجه، والذي يظن أن معرفة الله والوصول إليه تتم عبر قراءة الكتب دون الصحبة والمخاللة، فتلك هي بداية الانحراف والمغامرة في بيداء الإسلام الفكري الثقافي المقفرة إلى غير وجهة.

يخطئ من يظن أن الحركة الإسلامية حركة فكرية سياسية محضة، شأنها شأن باقي الحركات الأرضية المنقطعة، ويخطئ من يظن أنها تناوم ودروشة.

بداية المشروع الجهادي النبوي صحبة في جماعة متآلفة متآخية.

بلمسة منه صلى الله عليه وسلم، بنظرة، بهزة- يقول سيدنا عمر رضي الله في قصة إسلامه: فهزني، أي رسول الله صلى الله عليه وسلم، هزة واحدة فما أن تمالكت إلا أن وقعت على ركبتي وقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاهتزت دار الأرقم ابن الأرقم بتكبير الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين: فرحوا بإسلام عمر رضي الله عن الجميع، نقل الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة من عالم إلى عالم "عندما نكون عندك وتحدثنا عن الجنة والنار فكأننا نراه رأي عين".

من ينقل ابن الحركة الإسلامية المسكين؟ من يداويه؟ من يزيل عنه الأصفاد والأغلال؟ من يخلصه من سم الرياء وحب الظهور؟ من يحرره من رق العبودية؟ من يبخره؟ من يطيبه؟

لا بد له من صحبة ولي مرشد (ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) الكهف: 17، عارفا بخبايا النفوس وعويصات الطريق ولصوصها.

وأنت يا ابن الحركة الإسلامية مكن نفسك الحية من عارف بالله مولع بترويض النفوس الأفاعي.

إن لم تروض نفسك، ولم تصقلها بالذكر والإقبال على الله عز وجل فانتماؤك للحركة الإسلامية لا يعدو أن يكون انتماء حزبيا سياسويا منقطعا في مطالب أرضية لكن هيهات هيهات أن تظفر بالمطلب الأسنى الأعظم: معرفة الله عز وجل!

رحم الله السادة الصوفية فلقد حافظوا على هذا اللب لكنهم انزووا وانكمشوا عن ميادين الجهاد وهو أمر لا نقبله، بل نموذجنا العالي الغالي الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام الذين جمعوا بين معاني الإقبال على الله عز وجل ومعاني الجهاد والتشمير لإقامة شرع الله عز وجل في الأرض فجمعوا بين الغايتين: الغاية الإحسانية: طلب وجه الله عز وجل، والغاية الاستخلافية إقامة العدل في الأرض.

الصحبة مدخل أساس لفهم صحيح وإرادة ربانية وعمل موفق غير معكوس ولا منكوس.

التغيير الذي تنشده الحركة الإسلامية معرض للانتكاس إذا لم يقده المحسنون أطباء القلوب، لأن المؤمنين مهما علا إيمانهم معرضون لنوازل الاختلاف.

التغيير الإسلامي قومة إيمانية إحسانية الفاعل فيها الصحبة والمحبة – أستغفر الله بل الفاعل الله – ثم قومة إيمانية جهادية ثم قومة أمة.

(2)

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).

صحبة في جماعة حية بحياة المصحوب، وحياة الحب في الله شرط أساس من شرائط السير الراشد للحركة الإسلامية.

واستمع إلى الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره يخاطبك: استمع ثم استمع: (يا مريض القلب! عليك بالدواء! الدواء لا يكون إلا عند الصالحين من عباد الله عز وجل، خذ الدواء منهم واستعمله، وقد جاءتك العافية الدائمة والصحة الأبدية لمعناك ولقلبك ولسرك ولخلوتك مع ربك عز وجل، تنفتح عينا قلبك، فتنظر بهما إلى ربك عز وجل تصير من المحبين على بابه الذين لا ينظرون إلى ما سواه، قلب فيه بدعة كيف ينظر إلى الحق عز وجل.)

وأكبر بدعة ألا تكون لك حاجة عند الله عز وجل، ألا تبحث على من يدلك عليه، من خرج من الدنيا ولم يفز بالله فلا حد لحسرته.

كيف يطيب لك مقام، ويغمض لك جفن، وأنت نكرة لا تذكر، ابك على نفسك لقد سبقها الرجال وتاهت في أزقة الغفلات.

تحتاج إلى صحبة ولي مرشد يطلق سراح نفسك، يجعل لحياتك اتجاها ومعنى.

الصحبة خلاص من شباك الحيرة المقلقة، وانطلاقة واعية تحرر الوارد على الحركة الإسلامية من الأنانية الفردية، وتنطلق به حرا طليقا في آفاق الإقبال على الله عز وجل، والتهيئ اللازم لتجديد الخلافة الثانية على منهاج النبوة.

إن بقاء الإنسان في هذه الحياة دون صحبة تدله على الله وتقربه منه استهتار لا معنى له.

وألق السمع مرة أخرى إلى الإمام عبد القادر قدس الله سره وهو يخاطبك: (أراك قليل المعرفة بالله عز وجل وبرسوله، قليل المعرفة بأولياء الله عز وجل وأبدال أنبيائه وخلفائه في خلقه أنت خال من المعنى! أنت قفص بلا طائر، بيت فارغ خراب! شجرة قد يبست وتناثر ورقها! عمارة قلب العبد بالإسلام ثم بالتحقيق في حقيقته وهي الاستسلام.)

بيت خراب هو بيت الحركة الإسلامية إن لم تتنبه إلى خطر غياب المحسنين عن صفوفها،شجرة هي قد يبست وتناثر ورقها إن لم تمتلك المنار وهي في عالم كثير الظلام: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق.)، قفص هي بلا طائر إن لم تنبت وتثبت في أرض الصحبة المباركة الموصولة بالنبع المتسلسلة بالتلمذة والمجالسة والتزاور والتحابِّ في الله عز وجل والتي أخبر عنها الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

(3)

روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام «جماعة» من الناس، فيقولون، هل فيكم من صاحب من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله وس

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي